• 73115
  • 125

شانون التي ضاعت بفعل فاعل

عثرت الشرطة في مدينة ليدز بانجلترا على الطفلة شانون ماثيوز، التي اختفت عن الأنظار تماما أثناء عودتها من المدرسة، وطوال 24 يوما أنفقت الشرطة أكثر من خمسة ملايين دولار للبحث عنها برا وجوا، وبداهة فقد تعاطف الملايين مع أمها كارِن ماثيوز وهي تناشد الناس بينما هي في حالة انهيار تام عبر وسائل الإعلام أن يساعدوها على العثور على بنتها الحبيبة، صحيفة ذا صن وحدها رصدت جائزة قدرها ما يعادل 90 ألف دولار لمن يعثر على شانون، في حين كانت الجائزة المعروضة من قبل الشرطة لنفس الغرض 150 ألف دولار، وتدافع الجيران لمواساة الأم المكلومة والتخفيف عنها ونظموا حملات تفتيش شارك فيها الآلاف الذين جابوا كل شبر في المنطقة التي يرجح أن شانون اختفت فيها
ثم عثرت الشرطة على شانون بنت التسع سنوات في شقة في ضاحية في مدينة ليدز، وكانت عند العثور عليها مربوطة بحبل يتدلى من السقف، يسمح لها بالوصول إلى مختلف أنحاء الشقة ما عدا الباب الخارجي، ونقلوها إلى المستشفى واكتشفوا أن جسمها يحوي جرعات عالية من عقار مهدىء ثم اتضح أن من اختطف شانون واسمه مايكل دونوفان هو خال صديق أمها كارن ماثيوز، ولكنه فعل ذلك بأوامر من الأم، أوامر وليس «رجاء»!! قالت له: تخطف بنتي شانون في يوم كذا في طريق عودتها من المدرسة، وما لم تفعل ستتعرض للقتل، ولو نجحت في اختطافها «ينوبك من الطيب نصيب» لأن المسألة فيها فلوس، وكما تعلم يا غبي فإن الناس يتعاطفون مع ذوي الأطفال المختطفين وسنربح من العملية بطريقتين.. تأتينا التبرعات لنقوم بعمليات بحث بواسطة مخبرين خاصين، ثم – وفي توقيت معين – تجعل شانون تسير وهي مخدرة أمام متاجر بها كاميرات فيديو في واجهاتها، ثم تدخل أنت في الصورة و»تتعرف» عليها وتتصل بالشرطة، وتكون جائزة العثور عليها من نصيبك، بس أوع تصدق نفسك.. تتسلم الفلوس وتجيني سيدا/ دوغري وأنا أبقششك.
طوال 24 يوما وكارن تواصل أمام الكاميرات إنتاج الفيلم الهندي عن «بنتي الحبيبة الأمورة» المختطفة؛ لم تكن تسأل عن حالها طوال تلك المدة لأنها كرست كل وقتها وجهدها لتمثيل دور الأم المكلومة.. وما هو أنكى من ذلك أنها ظلت لتسعة أشهر قبل مسرحية الاختطاف تعطي شانون أقراصا مهدئة لضمان أن تكون «مستوية على الآخر»، أي في حالة تبلد ذهني عند لحظة التنفيذ. هذه امرأة لا تستحق لقب «أم» الذي يساوي كنوز الدنيا كلها، فقد باعت أسمى العواطف نظير مبلغ تافه.. والشاهد يا أعزائي هو أن الجري وراء «المادة» صار ميسما لعالمنا المعاصر.. ونحن ما زلنا بخير إلى درجة كبيرة، لكوننا لا نزال نعرف التراحم والتكافل، ولكن فيروس «السعار» المادي بدأ ينتشر في مجتمعاتنا؛ صرنا نسمع حكايات محزنة عن أشقاء يتحاربون باللسان واليد على التركات؛ وعن عقوق أبناء أنفق الوالدين القليل الذي عندهم ليربوهم ويعلموهم ولما اشتدت سواعدهم «رموا» الوالدين، والإنسان السوي ينسى ملذاته ورغباته بمجرد أن يرزق بالذرية ويكرس ماله وجهده لإسعاد العيال.
وأقول – بكل فخر – أنني عشت سنوات من البهدلة على حافة الفقر، لأوفر لأكبر أولادي تعليما يجعله يقف على قدمين قويتين، والله لم أكن أملك أكثر من قوت أسبوع عندما ركب الطائرة متجهاً إلى حيث جامعته، فوقف بدوره معي في معركة تعليم أشقائه الذين يصغرونه، ودخل عيالي الأربعة الحياة العملية ولكنني ما زلت أجد سعادة عارمة في سداد فواتير طعامهم وهواتفهم حتى باتوا يحسبون أن شركة الاتصالات تعطيهم خدمات مجانية
متعة الأمومة والأبوة في العطاء.. بل إن في إعطاء الآخرين من غير ذوي الرحم متعة تفوق متعة الأخذ.
jafabbas19@gmail.com