• 169024
  • 246

التنَوّعُ الثقافي

اهتمّت الدولُ والهيئاتُ الأمَميةُ المتخصِّصة بقضية التنَوّع الثقافي، بكونه أحدَ مكونات أقدار الدول والمجتمعات، في التوصل إلى صِيغ التسامح والأمن، حفاظاً على حقوق مكونات المجتمع الواحد.
والتنوع Diversity يعني الاختلاف، ضمن الأغلبية. وفي أية ثقافة هنالك الأغلبية وهنالك الأقلية، والثقافة منظومة متكاملة تضع المعايير للمجتمع، وكل ما هو مقبول في السلوك.
ويعمل التنوعُ الثقافي على إثراء المجتمع من خلال جعله مكاناً صالحاً للعيش، ولنا أن نتصوّر كيفَ يكون العالمُ من غير أدوات التنوع الثقافي، مثل: المطبخ الهندي أو المكسيكي، أو من دون البيتزا الإيطالية، أو الموسيقى العربية أو الأوروبية، أو من غير المسابقات الرياضية الدولية، أو من جوائز الأوسكار، ومن ناحية اقتصادية، فإن التنوعَ الثقافي يضع البلادَ في حالة تنافسية، على مستوى العالم، والناس القادمون من بلدان أخرى يجلبون معهم اللغات، المهارات، طرق التفكير، الحلول الخلّاقة للمشكلات الصعبة، وكذلك المهارات.
يوجد في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، من يعتقد أن هؤلاء الذين نختلف معهم في السلوك، هم على خطأ، نحن نقرأ الكون من جانب قصير النظر، يُفضي إلى أن يعتقد مَن هم خارج الولايات المتحدة، بأننا (الأمريكان البشعون)! (National speakers Association ).
ويُقصد بالتنوع الثقافي تواجد مجموعة من الثقافات في جهة معينة أو مجتمع معين، أو في العالم. وهي قائمة على احترام الجميع، وجاء مصطلح العولمة (Globalization ) من التنوع الثقافي، وتبرز الثقافةُ المتنوعة في: اللغة، اللباس، العادات، المفاهيم، الاعتقادات، النشاطات المجتمعية، والتي تتفاعل مع البيئة، ويُعتبر الدينُ من الملامح المهمّة لتلاقي الأفكار، وقراءة التاريخ الحضاري للإنسان، والتعرّفِ على الاختلافات بين الأمم. ولئن كانت اللغةُ حاضنة للتراث الإنساني، فإنها بالنسبة للأمّة، حامية لمعتقداتها، ثقافتها، تراثها، طرائق تفكير أهلها، وتتبع اللغةَ العاداتُ والتقاليد، التي هي نتاج التراث، لأي شعب، وهو ما يتوارثه الأبناء، ويشكّل الضمير الواعي للأمة، ومن أبرز نتائج التنوع الثقافي تخليقُ الهُوية. فالهُوية الثقافية تتفهم قيمةَ التنوع الثقافي لكلِّ شعوب الأرض، كما أن الهُوية الثقافية تدمجُ أفراد المجتمع في شكل واحدٍ مُتعارفٍ عليه، ويستدل بعضُ الدارسين بالهُوية الإسلامية، التي تجمع العديد من القوميات والإثنيات في بوتقة الإسلام.
ولقد حاولت القوى السياسية الكبرى في العالم طمسَ الهُويات المحلية لبعض الجماعات، إلا أن الثقافات الإنسانية قاومت ذلك المد، لأنها رأت فيه «تشويهاً» لثقافتها وهُويتها، وانتقاصاً لخصوصياتها، ما يُمكن أن يؤدي إلى صراع ثقافي يعقبه صراع سياسي وعسكري، كما أن التنكر للخصوصيات الثقافية، حتى في البلد الواحد، يمكن أن يؤدي إلى صراعات على شكل (قبلي، إثني، ديني). وفي التنوع الثقافي والإقرار به، يزول التعصّب، ويحلّ التسامح والانفتاح على الآخر، ويسود الحوارُ على الصراع، (mawdoo3. فيروزهمات، 28.6.2018).
ويُمكن ملاحظة التنوع الثقافي من خلال أصالة، وتعدُّد الهُويات المُمَيزة للمجموعات والمجتمعات التي تتألف منها الإنسانية، فهي مصدر للتبادل والإبداع. كما أنه ضروري للجنس البشري، مثل ضرورة التنوع البيولوجي بالنسبة للكائنات الحيّة. وبهذا المعنى فإن التنوع الثقافي هو التراث المُشترك للإنسانية، وينبغي الاعتراف به والتأكيد عليه لصالح أجيال الحاضر والمستقبل، إلا أن التاريخ قد أظهر أن النازحين الجُدُد، أو مجموعات الأقلية، لا يُنظر إليهم، على كل حالة من زاوية إيجابية، فالحروب والنزاعات في أفريقيا ومنطقة البلقان والشرق الأوسط، تدور رحاها، بسبب عدم القدرة على التكيف مع هذا التنوع الثقافي ومواكبته، رغم أنه من أقدم الظواهر الثقافية على الإطلاق (Aaranthropos.com).
ولا شك أن للتنوع الثقافي إيجابيات عديدة، لخّصها المفكرون كالتالي:
التعرف على الثقافات الأخرى في المجتمع، وعبرها يُمكن خلقُ التناغم بين المواطنين، وفهمُ الاتجاهات الثقافية لكلِّ شرائح المجتمع.
الإقرار بأهمية وشرعية الثقافات الأخرى، ودور ذلك في حفظ الأمن والاستقرار، وهذا يتطلبُ تشريعات محددة، لصياغة ذلك.
ويرى بعضُ المفكرين، من أصحاب الفكر المُتزمّت، أن هنالك سلبيات للتنوع الثقافي، تتمثل في تفكيك وحدة المجتمع، وظهور نزعات إثنية قد تؤدي إلى اضطرابات، إن اختلاف العادات بين شرائح المجتمع قد يؤدي إلى عدم الاستقرار أو الفوضى الاجتماعية.. ( المصدر السابق)، كما أن من شأن التقليل من أهمية (التنوع الثقافي) ظهور حالات «التنمّر» التي تؤدي إلى صراعات وخيمة داخل المجتمع، وفي حقيقة الأمر، قد يحدث نوع من التشرذم في نظرة المجتمع للتنوع الثقافي، على أنه يوّلد عدة دولٍ داخل الدولة، وهذا يُربك الدولة الواحدة، وقد يؤدي التصادم بين الثقافات، وعدم الاتفاق على قوانين محددة، حتى داخل الدستور الواحد، ما يمسّ السيادة، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى حروب أهلية.
وتلعب الديموقراطية دوراً مؤثراً في دعم التنوع الثقافي، إذ لا يمكن الاعترافُ بحقِّ الأقلية، دون الاعترافِ بحقِّ الأغلبية، ونلاحظ أن أغلب الدول التي تقطنها أقلياتٌ إثنية ولا تتمتع بنظام ديموقراطي، تكثر فيها النزاعات والحروب الأهلية، كما هو الحال في: بوروندي، دارفور، العراق، إيران، أفغانستان، كشمير.. وغيرها. فالديموقراطية أساسٌ مهم من أُسُس تكوين المجتمعات المتنوعة ثقافياً.
ولقد خَطت دولةُ قطر، ضمن مسيرتها السياسية، على خطى الدول المُتحضرة في الاعتراف بالتنوع الثقافي، ومن ملامح ذلك: مكافحة انتشار الأمية الثقافية في عالم متعولم من خلال القدرة على قبول الفوارق الثقافية والترحيب بالاختلاف، وتجهيز الأفراد والمجتمعات بالأدوات اللازمة لإدارة التنوع، وكذلك تعزيز أسس العالمية من خلال الممارسات، حيث يحتل التنوع الثقافي مكانة رئيسية في حقوق الإنسان، كعلامة تميّز الإنسانية المُشتركة والاعتراف بالهويات المتعددة، وذلك من خلال استخدام اللغة والتعليم، وتنامي وسائل الاتصال، للحدّ من العقبات التي تعترض سُبل الحوار، وأيضاً مزيد من الاستثمار في التنوع الثقافي، والتركيز على الحِرف والسياحة الدولية، كمصادر للدخل للأفراد والدول، وما العائدات المُمكنة من هذه الاستثمارات، ودورها في التنمية المستدامة، وتحقيق سلام يستند إلى الوحدة في التنوع. (التنوع الثقافي في دولة قطر، وزارة الثقافة والرياضة، ص 10).
نحن نعتقد، أن التنوع الثقافي رافدٌ مُهم من روافد تماسك المجتمع، ومَعينٌ لإثراء الثقافة المحلية، وتعزيز قيم التسامح وقبول الآخر، وما تقوم به وزارة الثقافة والرياضة، ومؤسسة الحيّ الثقافي، والمتاحف في قطر، ومكتبة قطر الوطنية، وجامعة قطر، وكلية المجتمع، والجامعات الوافدة، ووسائل الإعلام باللغات غير العربية، كلُّ ذلك يُعزز التنوعَ الثقافي، ويخلقُ أجواءَ التناغم المجتمعي، ويُحقق الوحدة المجتمعية، ويدعم السياسة الخارجية للدولة.