• 88420
  • 127

لا نصلح إلا بهم ولا يصلحون إلا بنا

المتأمل فيما حصل في مؤتمر الطائف الشهير اثناء الاحتلال العراقي لدولة الكويت، واصرار الشعب الكويتي على اعادة الشرعية للدولة. متمثلة في حكم آل صباح، مع اشتراطهم عودة الحياة الدستورية بعد التحرير، والتي كانت اساسا نتاجا لمرحلة من مراحل هذا الحكم. يدرك اهمية الجزئية الاولى وهي المطالبة بالحكم السابق وبالعائلة نفسها وبمركزية هذه المطالبة.
هل كان بإمكانهم اختيار بديل آخر؟ وهل افرز تاريخ الكويت بديلا؟ وهي اكثر دول الخليج حراكا سياسيا. هل تملك دول الخليج بديلا عن أنظمتها القائمة اليوم؟ وهل يمكن استبدال القبيلة بقبيلة اخرى اليوم؟ مثل هذه التساؤلات وبعد الحدث المزلزل وتماسك الشعب الكويتي خلف قيادته القبلية الشرعية رغم وجود اطياف وزعامات لتوجهات سياسية راديكالية كويتية آنذاك. كل هذا يثبت ان تاريخ هذه المنطقة مختلف تماما عن غيره وذو طبيعة مختلفة كذلك عما سواه سياسيا، بمعنى انه ذو صبغة اجتماعية ودينية يبث فيها من مفرداته وانزيمات بقائه من داخله، وان البعد الاجتماعي والديني هو ما يصوغ البعد السياسي وتشكيلاته بعد ذلك، بمعنى ان افراغ السياسة من بعدها الاجتماعي القبلي والديني القائم لا يحولها البتة الى فعل مهما اكتست من اشكال سواء تكتلات او جمعيات او حتى احزاب طالما ان الصيغة الراهنة سوف تعود في مرحلة او ستكون مطلبا لا بد منه في مرحلة الانهيار والتبدد.
وكل ما يمكن تحصيله هو تحسين الشروط بما يجعل المجتمع كله ضمن بؤرة اهتمام هذا الوضع وهذه الشرعية التاريخية القبلية، هذا ما حكته تجربة الكويت.
اذن من المفروض ان تكون العلاجات او مشاريع الاصلاح لا تبتعد كثيرا عن هذا التوجه حتى النقد والادب والثقافة لأننا كما اشرت سابقا «مجتمع منجز»، وما جرى في محنة الكويت يثبت ذلك، تتميز الكويت هنا عن غيرها من دولنا في توسيع دائرة الانجاز من خلال المشاركة السياسية. لا مكان للراديكالية في هذه المجتمعات بتكويناتها القائمة حاليا ولا مكان للفكر الراديكالي كذلك ولا للاتهامات المصاحبة لهذا الفكر لأنها زبد وطوبائية متخيلة ومستوردة ولو جاء او حان الوقت لتطبيقها لأنكرها وتهرب منها أدعياؤها ومرددوها كما حصل في أزمة الكويت».
علة المجتمعات الخليجية باطنية «ولا يعالجها الا هذا التكوين الخليجي التاريخي» القبيلة والمجتمع»، اثبتت محنة الكويت اننا لا نصلح الا بهم ولا يصلحون الا بنا، فالاصلاح اذن عملية يحتاجها الجميع، هم يحتاجونها وأعني الانظمة، ونحن نحتاجها اعني الشعوب وهي مساحة قائمة يمكن التقدم فيها أو التأخر بناء على مسلمات كثيرة، يمكن كذلك استبعاد المعوق فيها ما أمكن سواء كان هذا المعوق دينا او عرفا او ثقافة وسلم الانسانية، وطلب المجتمع المستمر وامساك زمام الفاعلية ما أمكن هما المحدد والمعيار.
التوجه الى الداخل والعمل من خلاله وتقليل جرعة الايديولوجيا الطوبائية التي تصور الخلاص دون حتى تخيل البديل ناهيك عن امكانية ايجاده تجعل من ثقافة المجتمع في حالة انفصام وخصام مع واقعها.
ان يتخذ الانسان موقفا شيء جيد فالحياة موقف كما يقولون، ولكن الا يكون هذا الموقف موقفا وهميا كمحاربة طواحين الهواء، علينا التيقن بأن تاريخ هذه المنطقة لم يعرف الفواصل الناقلة والصدمات الانفصالية للوعي، فإنك حين تتكلم اليوم عن قضية معينة تعود لا شعوريا لملامسة ابعادها الى عمق التاريخ والدين، بل ان الماضي لدينا هو من يصنع الحاضر، تاريخنا هو تاريخ القبيلة والدين نعم نريد الخروج من تشعباته، ولكننا اعجز عن التخلص منه وايداعه متحف التاريخ، فلذلك فإن هبة الايديولوجيات على المنطقة على طول تاريخها كانت من الهشاشة بحيث تزول كما يزول الغبار عند اول نزول للمطر.
العديد يكره كلمة خصوصية ويدعي ان لا خصوصية لجماعة او لمجتمع فيما يتعلق بالابعاد الانسانية الضرورية للمعيشة الكريمة والمساواة، كلام جميل وموافق عليه، ولكن ألا يسمى اتفاق الكويتيين على عودة شيوخهم وقبيلتهم رغم جل الخلافات بين الطرفين كشرط لتحرير الكويت وتقديم هذا المطلب لأكبر واعرق الديمقراطيات القائمة على تبدل السلطة وتجددها المستمر «خصوصية»؟.
علينا ان نتأمل ما حصل في مؤتمر الطائف الشهير اثناء الاحتلال العراقي لدولة الكويت، واصرار الشعب الكويتي على اعادة الشرعية التقليدية التي قد نختلف ونتخاصم معها، ولكنه تاريخنا وصيغة حياتنا الممكنة والملموسة حتى الآن علينا الا نستحي من الماضي الا بقدر ما نكون عاجزين عن تطويره.
الصورة الكبرى التي يصورها التاريخ لحكم القبيلة بل ويحترمها تتمثل في الملكية الدستورية وهي قمة تطوير الماضي وذروة سنام الحاضر واشراقة المستقبل التي لا تغيب.

abdulazizalkhater@yahoo.com