• 108956
  • 148

نظام التعليم الذي يجب أن يُحرق

في رواية «السحب» وهي من أروع روايات الكوميديا النقدية لأريستوفانيس أحد كُتَّاب الكوميديا الساخرة في اليونان القديمة، يسخر وينتقد الفساد الأخلاقي والاجتماعي في المجتمع الأثيني، يصل إلى نتيجة هامة وهي أن فساد التعليم وراء كل فساد يظهر في المجتمع، ويحكي قصة أسرة تسيئ تربية ابنها الوحيد بكثرة تدليله مما جعله يستهتر بالحياة إلى درجة أن يوقع الأسرة في ديون تعجز معها عن السداد والإيفاء بها، فتلجأ الأسرة إلى النظام التعليمي الذي كان سائداً في حينه وهو النظام السفسطائي القائم على قلب الجدل والمقدرة على الإيهام بأنه لا يوجد شيء ثابت، وأن مقياس الأشياء هو الفرد، ليتمكن الولد من الخلاص أمام المحكمة من ديونه، وبالفعل ينجح في التنصل من التهمة التي وجهت إليه. بعد ذلك يبدأ الولد في الإساءة إلى والديه وضربهما فيشكوانه إلى المحكمة فينجح في التنصل من هذه التهمة كذلك عن طريق إثبات أنهما سبب فشله لأنهما أساءا تربيته، وقال إنه يجب أن يؤدبهما حتى يقوماه بتأديبه وحسن تربيته.
بعد ذلك يقوم الأب ومعه كل عجائز أثينا بإشعال المشاعل والذهاب إلى المدرسة لإحراقها والتخلص من هذا النظام التعليمي الذي أوجد تبريراً لكل فساد، فتغطي السحب سماء أثينا كلها.
هذه القصة تدل على أهمية دور النظام التعليمي في كل مجتمع، وأنه يتحمل المسؤولية الأولى ليس فقط في تطور المجتمع، وإنما في تزويده بأخلاقيات التربية التي لا تحدث انشقاقاً نفسياً بين ما يلقن وما يُمارس في الواقع.
تجاربنا العربية التعليمية جميعاً فاشلة مع الاستثناء في النسبة من بلد إلى آخر، كل ما على الطالب بعد تخرجه هو أن ينضوي ضمن النظام الاجتماعي السائد، وأن يبحث عن مكان له فيه، فيصبح كل ما تعلمه لا يتعدى كونه سفسطة سلبية تنتج نفاقاً وتورية، تؤدي أو تقوم بإقناعه بأنه ليس هناك ما يمكن أن يقوم به سوى الانضواء ضمن ماهو قائم.
هذه النظرة الميتافيزيقية الدينية للنظام التعليمي بالضبط هي كمن يولد وهو يمتلك الحقيقة وما عليه سوى الاتباع.
في رواية السحب أراد أهل أثينا التخلص من النظام التعليمي الذي لايرسي مكاناً للحقيقة الاجتماعية.. التربوية.. الأخلاقية.
وفي أنظمتنا التعليمية، الحقيقة الاجتماعية والسياسية والدينية مكتملة مسبقا وقبل كل نظام تعليمي تضعه الدولة، فكل ما يتعلمه المبتعث سفسطة غير مكتملة، وأنما تتوقف عند حدود الواقع ولا تعمل على نفيه؛ لا سلباً ولا إيجاباً.
في رواية السحب، حرق أهل أثينا المدرسة التي لجأوا إليها لتعليم أبنائهم كيفية الخلاص من قيود القانون ونسوا أن هذه الطريقة قد تنقلب عليهم كما حصل تماما في الرواية.
النظام التعليمي الحقيقي يقوم على حقيقة أن المجتمعات ليست مكتملة وتبحث دائماً عن الكمال.
أنظمتنا التعليمية العربية أنظمة شبيهة بنظام أثينا الذي ثار مجتمع أثينا عليه وطلب إحراقه لأنه يجد مبرراً دائماً لكل فساد تزاوله السلطة التي أنتجته، ولا يعمل على إرساء حقيقة أخلاقية تحفظ للمجتمع توازنه بقدر ما يجد المبرر الدائم لتجاوزها وإغفالها والدوران حولها.
abdulazizalkhater@yahoo.com